القديسون الأرثوذكسيون | Orthdox Saints
الشيخ كليوبا الروماني ‏
‎(1998-1912 ) ‎

       طفولته

       ولد الشيخ كليوبا في 10 نيسان  1912، وهو المسمّى في العالم باسم قسطنطين إيليا، من ضيعة من البتوساني في رومانيا. والد قسطنطين من سلالة رعاة مواشي وقد رزق عشرة أولاد وقسطنطين هو الولد الخامس. كانت صحة قسطنطين ضعيفة جداً في طفولته، يمرض بشكل شبه دائم ولا يأكل إلا قليلاً. أخذته أمه إلى شيخ قدّيس في إسقيط كوزانسا نصحها بأن تقدّمه لوالدة الإله لتعيد له صحته. وهكذا فعلت فاستعاد عافيته. كانت والدة كليوبا المدعوة "أنّا"، رغم كونها أمية، تملك ذاكرة قوية جداً، ورثها عنها الشيخ كليوبا. كل أولاد "أنّا" توفوا في عمر مبكر ما عدا كليوبا، خمسة منهم نذروا أنفسهم بالكلية للرب بالحياة الرهبانية.
تعلّم الشيخ كليوبا الصلاة في حضن عائلة ملتزمة الصلاة اليومية. كما أخذ الصوم عن والده الذي كان يمنع الطعام عن أولاده إن لم يصلّوا ساعة على الأقل في الصباح.

       الدعوة الرهبانية

 
 

   كان قسطنطين وأخواه جورج وباسيل أثناء رعايتهم للقطيع يزورون إسقيط كوزانسا حيث كان راهب باسم بائيسيوس أولارو يسترشدون عنده ويساعدون الرهبان في تأدية الأعمال الديرية. على هذه الحال باشروا جهاداتهم النسكية في عمر مبكر إذ كانوا يطيعون مرشدهم بدقة. وكان توقهم أن يصيروا رهباناً. في العام 1927 ترك جورج المنزل الأبوي والتحق بإسقيط كوزانسا ومنه انتقل إلى اسقيط سيهاستريا. وتبعه إلى هناك بعد عامين باسيل وقسطنطين. عند مغادرتهما البيت الوالدي، انفجرت "أنّا" بالبكاء لفقدانها آخر أولادها الشبّان، إلا أن زوجها قال لها:" لا تبكِ، دعيهما يذهبان، لماذا لم نفكر نحن أيضاً بأن نصير رهباناً، فأننا غداً نذهب إلى ربنا، فما نفع هذه الحياة ". وغادر الشابان.  لدى وصولهما إلى باب الدير سأل البواب قسطنطين هل جئت لتبقى فأجابه: "نعم أيها الأب القدّيس". فتركه البواب عند الباب وذهب ليعلم رئيس الدير الذي كان الأب إيوانيكوس موروي. ولدى عودته أعطى الشاب قسطنطين عصا وطلب منه أن يضرب ساق شجرةٍ يابسة. بقي على هذه الحال ثلاثة أيام لا يرتاح إلا قليلاً إلى أن جاءه قبول رئيس الدير له. فعُيّن ليُعنى بالقطعان، برعاية الأب غالاكتيون الذي كان بمثابة أبٍ روحي له.

 

 
 

    في الدير

       في حضن طبيعة سيهاستريا الخضراء الجميلة كُوِّنت شخصية الشيخ كليوبا. نادراً ما كان يشارك في الخدم الكنسية الإعتيادية بل يتمرّس على صلاة يسوع ويقرأ الكتب الآبائية والعقائدية بالإضافة إلى سير القدّيسين التي كان يستعيرها من الأديرة المجاورة.

       أُكْتُشفت عند الراهب كليوبا موهبة رسم الأيقونات، فتوقف عن عمله في المرعى وأخذ يتعلّم الرسم حتى أبدع. لكن محبة المال بدأت تسلل إلى نفسه إذ كان عليه أن يبتاع الدهان للرسم. وبنعمة الله أعاده رئيس الدير إلى عمل طاعته الأول وهو رعي المواشي، فتحرر من الكبرياء ومن محبة المال.

       بين العامين 1931 و 1933 فقد قسطنطين أخويه الراهب جيراسيم (جورج) والأخ باسيل. وقد تضرّع بحرارة إلى الرب لكي يكشف له مصير أخويه. فإذا به، في إحدى الليالي، أثناء نومه، يجد نفسه في حديقة الجنة مع أخويه وكل أخواته اللواتي غادرن هذه الحياة باكراً، وكان معهم في حالة من النشوة الإلهية يرتلون تماجيد للرب الإله. ثم ودّعه إخوته وطلبوا منه أن يصلي بدون انقطاع لأنه سيصبح يوماً ما مرشداً للنفوس.

       عام 1935 استُدعي قسطنطين إلى الخدمة العسكرية التي أتّمها دون أن يتخلّى عن نظام نسكه وصلاته. وإبان عودته إلى إسقيط سيهاستريا عرّج على إسقيط كوزنسا حيث التقى الأب بائيسيوس أولارو مرشده الأول. وطلبا من الرب الله، في صلاة حارة، عند مفارقة أحدهما الحياة أن يكون الأخر عند رأسه. وهذا ما سوف يسمح به الرب الإله في وقت لاحق.

       وعاد الشاب قسطنطين إلى مكان توبته الأول ليرعى المواشي. الآن وقد أتمّ خدمته العسكرية وست سنوات من الطاعة الرهبانية صار حراً في أن يقدم نذوره الرهبانية. وهكذا طلب من الأب بروكلس بوكا اللابس الإسكيم أن يأخذه تحت جبّته. وفي وسط ترتيل الجوقة، قدم قسطنطين نذوره وأعطي اسم كليوبا.

       في العام 1941، في عيد الصعود الإلهي، شبّ حريق في دير سيهاستريا أتلف كل القلالي وسقف الكنيسة الحجرية كما أحرق بالكامل الكنيسة الخشبية المكرّسة للقدّيسين يواكيم وحنة. بإزاء ما آلَ إليه حال الدير، سجد الأب إيوانيكوس موروي على الأرض وقال ما قاله أيوب: "الرب أعطى والرب أخذ ليكن اسم الرب مباركاً. آمين".

 

 

       الراهب كليوبا رئيساً للدير

       في هذه الفترة شعر الأب إيوانيكوس بقواه تتراجع، فاستدعى رهبانه وأعلن لهم رغبته في ترك عصا الرعاية لآخر. وعند سؤالهم له عمّن يريد أن يخلفه، أجاب:" كليوبا". وكم كانت الصدمة كبيرة على الحاضرين إذ كان يُعتبر كليوبا شبه أمّيّ لا معرفة عنده بشيء سوى برعاية المواشي. لكن الأب إيوانيكوس بقي ثابتاً في اختياره إلا أنه ترك لمجلس الإسقيط حرية اختيار شخص آخر. غير أنهم بعد التباحث فيما بينهم ارتأوا أن ينصّبوا كليوبا على أن يكون واجهة فقط فيما يقومون هم بإدارة الدير. على هذا انتقل المجلس إلى المراعي حيث كان الراهب كليوبا. أما هو فلما رأى هذا الموكب المهيب ظنّ أنهم يقيمون صلاة من أجل المطر. تقدّم الرهبان في الموكب كأنهم في مأتم. ثم قام الأب بيصاريون بالخطوة الأولى إذ وقف أمام الراهب كليوبا وضرب له مطانية صغيرة ثم بدّل رأيه وضرب له مطانية كبيرة وقال له: "أيها الراهب كليوبا، الشيخ اعتزل رئاسة الدير وقد اختارك مجلس الإسقيط لتكون خلفه". ولدى هذا الإعلان سجد كل الرهبان الذين في المسيرة إلى الأرض. وكذلك سجد الراهب كليوبا وأعلن لهم أنه لن يقوم إن لم يبّدلوا رأيهم، فهو لا يستحق هذا المنصب. فأردف الأب بيصاريون بقسوة أنهم يعرفون ذلك ولكنْ طاعةً للشيخ سوف ينصّبوه ويقوموا هم بإدارة الدير. حينئذٍ وافق الراهب كليوبا لكنه طلب وقتاً للصلاة. ذهب إلى مرشده الأول الأب بائيسيوس أولارو. ولدى عودته تمّ حفل تنصيبه. حضر الشيخ إيوانيكوس حفل التنصيب، ولدى تسليمه الراهب كليوبا عصا الرئاسة، شرع الرهبان بمغادرة الكنيسة. إلا أن الراهب كليوبا استوقفهم طالباً إلقاء كلمة.

 
 

وابتدأ يعظهم مدة ساعتين عن طريق الخلاص مستنداً بذلك إلى كتابات الآباء وسرد مقاطع كاملة من القدّيس اسحق السرياني والقدّيس يوحنا الدمشقي والقدّيس يوحنا السلّمي وآخرين. كما عرض عليهم مخططاً لإعادة بناء ما تهدّم من الإسقيط. دُهش الرهبان وأدركوا أن الراهب كليوبا هو تلميذ حقيقي للشيخ إيوانيكوس موروي. عندها وبكل تواضع واحترام تقدّم الرهبان وعلى رأسهم الشيخ وأخذوا البركة من رئيسهم الجديد.

       وفي غضون سنوات قليلة أعيد بناء ما تهدّم من الإسقيط وأكثر. كما سيم الراهب كليوبا شماساً فكاهناً رغم تحفّظه ونصّب رسمياً رئيساً على إسقيط سيهاستريا.

       ذاع صيت الأب كليوبا في كل رومانيا وابتدأ الإسقيط يزدهر، عندها رُفع الإسقيط إلى رتبة دير والأب كليوبا إلى رتبة أرشمندريت.

 
 

       في هذه الأثناء فقدت "أنّا" والدة كليوبا زوجها وكذلك أولادها العشرة إلا كليوبا. فأرشدها الأب كليوبا إلى الحياة الرهبانية، قائلاً لها إنه عندها فقط تكون أمه. وهكذا ترهّبت "أنّا" وأُعطيت إسم أغافيا وذهبت إلى دير أغابيا حيث جاهدت عشرين سنة.

       كما رتّب الأب كليوبا وضع الأب بائيسيوس أولارو في دير سيهاستريا. ونظراً لخبرة هذا الأخير الروحية الوافرة كان يساعد الأب كليوبا بقبول إعترافات الرهبان ومئات العلمانيين الذين كانوا يتوافدون إلى الدير يومياً ليشربوا من الماء الحي.

 

 

       في فترة الإضطهاد الشيوعي

       بعد الحرب العالمية الثانية، في العام 1947، أُجبر ملك البلاد ميخائيل على التنازل عن العرش وأُعلنت رومانيا جمهورية شعبية بإدارة الفريق الشيوعي. مذ ذاك ابتدأ اضطهاد المسيحيين بوسائل مختلفة. لكن دير سيهاستريا، بسبب موقعه البعيد، في جبال الكارْباسيان “Carpathian” ، لم تطلْه الإضطهادات. إلا أن موهبة الأب كليوبا في الوعظ وتشديد النفوس وكذلك وجود الأب بائيسيوس أولارو والأب جويل (الإبن الروحي الأقرب إلى الأب إيوانيكوس والذي كان مرشحاً لإستلام الرئاسة من بعده) جعل دير سهاستريا مركزاً للأرثوذكسية وبذلك تهديداً للحكومة الشيوعية.

 
 
 

       في العام 1948 أُعتقل الأب كليوبا من قبل الشرطة السرية وجرى استجوابه خمسة أيام جالساً على كرسي من دون طعام ولا ماء والضوء المبهر موجه مباشرة إلى عينيه. كانوا يحاولون جعله يفقد صوابه. لكن صلاة يسوع المتلوة بقلبه هي التي أنقذته. بعد ذلك أُفرج عنه. ولدى عودته إلى الدير انسحب إلى كوخ في الغابات واستسلم لتلاوة صلاة يسوع وممارسة أعمال نسكية. كان لدى إقامته القدّاس الإلهي يتجمع حوله عصافير تغرّد باتفاق الأصوات وبشكل جميل. لاحظ الأب كليوبا وجود علامة الصليب على رأسها وأتاه صوت في قلبه يقول له أن هذه الطيور هي الجوقة. وقد تعرّض هناك لتجارب شيطانية عدّة.

       بعد ستة أشهر عاد الأب كليوبا إلى ديره. أُنيطت به مسؤولية الأديار المحيطة بمولدافيا وقد اهتمّ بخاصة، هو وثلاثون راهباً، بتجديد الحياة الروحية في دير سلاتينا في شمال بوكوفينا.

 
 

هناك أيضاً، سنة 1952، بعد أن ازدهر الدير، أُعتقل الأب كليوبا من قبل الشرطة السرية. استُجوب كل الليل وحُظِّر عليه القيام بنشر الإيمان ثم أُخلي سبيله. لما عاد إلى دير سلاتينا قَرَّر الشيوخ أن عليه العودة إلى البرية هو والأب أرسانيوس باباسيوك.

بقي في البرية مدة سنتين وأكثر ثم عاد إلى دير سلاتينا حيث سلّم رئاسة الدير إلى آخر. وبعد فترة وجيزة عاد إلى دير سهاستريا الذي كان يرأسه الأب جويل. هناك شهد الدير إزدهاراً روحياً كبيراً بوجود الأب كليوبا والأب بائيسيوس أولارو والأب جويل. وقد أقام الأب كليوبا في قلاية على تلة قرب الدير، حيث كان يستقبل الجموع الحاشدة الوافدة عليه للإرشاد والإعتراف.

 
 

       سنة 1959 شهدت رومانيا حملة اضطهاد واسعة، فقد صدر مرسوم برحيل كل الرهبان دون سن الخامسة والخمسين والراهبات دون سن الخمسين إلى خارج البلاد. فكان، في أقل من سنة، أن أكثر من أربعة ألاف راهب وراهبة غادروا البلاد. نُفي الأب جويل واقتيد الأب كليوبا بالروح إلى البرية حيث بقي سنتين منعزلاً متوحداً في قلاية بناها. ثم انضم إليه أحد أبنائه الروحيين المقرّبين الأب بارسانوفيوس. وقد جاهدا سوية ثلاث سنوات.اقتصر قوتهما على البطاطا وبعض البقول البرية. اقتنى الأب كليوبا، في هذه الفترة، صلاة القلب بالإضافة إلى موهبة الدموع وكذلك أثمر بكتابات كثيرة.

      عام 1964، منح الحكم الشيوعي إعفاء عام لكل المنفيّين السياسيين. هكذا عاد كل من الأب جويل والأب كليوبا إلى الدير. إلا أن الأب كليوبا تردد قبل العودة إذ إعتاد الحياة الهدوئية. لكنْ، بعد صلاة عاد إلى الدير ليرشد النفوس. وقد ازدادت شهرة الأب كليوبا كواعظ، حتى إن مجموعة من البروتستانت تحدّته علناً في إحدى الباحات وسط جمع كثير، وهناك أبكم الأب كليوبا إدّعاءات البروتستانت.

 
 

       كان يطلب من كل المؤمنين المحافظة على العقائد الأرثوذكسية وكذلك المداومة على الإعتراف على الأقل أربع مرات في السنة. قام بزيارة الأراضي المقدّسة وجبل آثوس حيث التقى بالعديد من الآباء القدّيسين ومنهم الأب بائيسيوس الآثوسي. كذلك قام بزيارة القدّيس يوستينوس بوبوفيتش في صربيا. بعد ذلك عاد الأب كليوبا إلى دير سهاستريا حيث قام بإرشاد الجموع الوافدة وبتلقي الإعترافات.

 

 

       رقاد الأب كليوبا

 
 

       ثم حوالي العام 1985 بدأ الأب كليوبا يعاني أمراضاً عدة. رغم ذلك بقي يعمل بكامل قواه، إلا أنه، في الأول من كانون الأول عام 1998، مساءً، شرع بإتمام قانونه الصباحي فحاول تلميذه ثنيه عن ذلك قائلاً له أن يقوم به في الغد إلا أن الأب كليوبا قال له ببساطة: "سوف أقوم به اليوم لأني غداً ذاهب إلى إخوتي. وهكذا كان، ففي صباح الثاني من كانون الأول أسلم الأب كليوبا روحه بين يدي خالقه. انتشر خبر وفاته بسرعة في كل رومانيا وابتدأت الجموع تتوافد بالألوف لتأخذ البركة الأخيرة. دُفن في الخامس من كانون الأول قرب رفيقه في الجهاد ومرشده الأول الأب بائيسيوس أولارو.

** منقول من :  http://www.holytrinityfamily.org    

** للرجوع الى المقال الأصلي : http://www.holytrinityfamily.org/Monastic%20Life/father_Cleopa.html