القديسون الأرثوذكسيون | Orthdox Saints
الأب نثنائيل من دير مغاور بسكوف
‎(1920-2002)‎

     نورد سيرة الأرشمندريت نثنائيل (بوسبيلوف) (1920-2002)، الراهب الّذي أمضى حياته في دير ”كهوف بسكوف“، في مدينة ”بيشوري“، مقاطعة ”بسكوف“.

 

     شخصيّة الأب نثنائيل

في تلك الأيام إذا كنت لتسأل أحدهم: ”من هو أبخل إنسان في بيشوري؟“. كنت لا تسمع، من دون أي شك، سوى إسمٍ واحدٍ: أمين صندوق دير كهوف بسكوف: الأرشمندريت نثنائيل!. هذا كان سيكون الجواب الأوحد لكلّ الكهنة والمبتدئين والرّهبان والعلمانيين، وحتّى الشيوعيّين  في  لجنة  أمن  الدولة  في بيشوري (KGB) وكلّ المنشقّين المحليّين، لأنّ الأب نثنائيل لم يكن بخيلاً فقط بل كان بخيلاً جدًا.

     كان الأب نثنائيل رجلاً هزيلاً متقدّمًا في السّن، نظرته ثاقبة. يرتدي غمبازًا (لباس الرّهبان) عتيقًا مغسولاً ذا أَهداب رثّة. و كان يلبسه صيفًا وشتاءً. كما كان يحمل عادة  كيسًا من الخيش على ظهره. في هذا الكيس كنت تجد كلّ شيء في العالم: خبزًا مجففًا – تبرّعًا لإحدى العجائز – حتّى مليون روبل (وهي العملة الرّوسية). كلّ هذه كانت ثمينة في نظر الأب نثنائيل، لأنّها أُرسلت إلى الدّير من الرّب الإله. كان الأب نثنائيل يحمل هذا الكيس متنقلاً بين أماكنه السرّية المتعددة من القلالي حتّى المخازن.

     كلّ الموارد المالية للدّير كانت تحت إمرة الأب نثنائيل. ولم يكن هناك نقصٌ في الإنفاق البتة: كلّ يوم كان يجلس حوالي المئة راهبٍ وأربع مئة زائرٍ إلى مائدة الطعام. وكان الدّير بحاجة دائمة إلى أعمال الصّيانة وإلى مبانٍ جديدة. هذا بالإضافة إلى حاجات الرّهبان اليوميّة والمال لمساعدة الفقراء، وٱستقبال الزوّار، وتأمين الهدايا للرّسميين... وأكثر من ذلك. لم يكن أحد يعلم كيف كان الأب نثنائيل يتدبّر أمر كلّ هذه النفقات المالية بنفسه. كان مسؤولاً عن تسجيل كلّ أعمال المحاسبة، وكان يهتم بترتيب الخِدَم الكنسيّة الطويلة للرّهبان بحسب الـ”تيبيكون“. وكان الأب نثنائيل السّكرتير في الدّير، لذلك كان يجيب على كلّ الرّسائل الّتي فيها مجموعة كبيرة من الأسئلة. أخيرًا وليس آخرًا كان يشارك رئيس الدير في تدبير العلاقات العامة ”المُزْعِجَة“ مع الرّسميين من السّلطة السّوفيتية. كان هذا الحجم الكبير من المسؤوليات كفيلاً بجعل أي إنسان يئن تحت ثقلها، إلا أنّ الأب نثنائيل كان يتمّمها بإلهام وحكمة نادرَين حتّى إنّك كنت تشكّ في بعض الأحيان إن كان فيه أي شيء آخر سوى رجل إكليريكي إداريّ.

   
   
 

 إلى جانب كل هذه المسؤوليات، كان الأب نثنائيل يهتمّ بشؤون المبتدئين. وكان يتمّم هذا العمل بدقة فائقة: ”يستطلع، يتحرّى، يتنصّت“... كل ذلك ليتأكّد أنّ المبتدئين يعيشون بحسب التيبيكون، ولا يُسيئون لحياتهم الرّهبانيّة. كان من الضروري أن يُراقَب المبتدئون عن كثب خاصة أنّهم يأتون من عالم لا جدّية روحيّة فيه وبالكاد يصلحون لأي عمل أو إلتزام.

     كان لدى الأب نثنائيل ميزة، وهي أنّه كان يحضر في الوقت الّذي لا يتوقّعه المرء. مثل ذلك عندما كان المبتدئون يختبئون وراء حائطٍ قديم متناسين عمل طاعتهم ليتجاذبوا أطراف الحديث، أو ليرتاحوا، أو ليتمتّعوا بالمناظر الطبيعيّة، فجأة كان يظهر لهم الأب نثنائيل كمن خرج من حفرة في الأرض، فترتجف لحيته ويوبّخهم بصوته الخشن فيتمنّى المبتدئون لو تبتلعهم الأرض لشعورهم بالحرج!.

 
 

     ولكثرة حماسه، كان الأب نثنائيل بالكاد يأكل أو ينام. لم يره أحد يشرب الشاي مثلاً. فقط القليل من الماء. حتّى خلال الوجبة الأساسية، كان يأكل خُمْس ما كانوا يضعون في صحنه. وكان كلّ مساء يأتي إلى غرفة الطعام، إلا أنّ هدفه الوحيد كان الحفاظ بصرامة على النّظام وهو جالس أمام صحنه الفارغ.

     رغم ذلك، كانت لديه طاقة مذهلة. لم يعرف أحد متى كان ينام. حتّى في الليل كنت ترى من خلال السّتائر النّور مضاءًا في قلايته. كان الرّهبان المتقدّمون في العمر يقولون إنّه عندما يكون الأب نثنائيل في قلايته فهذا معناه أنّه كان يوجد إمّا مُصليًا إمّا آخذًا في عدّ الأموال الّتي ٱجتمعت لديه في ذلك اليوم.

      كان يجب ترتيب كلّ هذه الثروة الطائلة في رزم وأكياس. وعندما ينتهي منها كان يُدوّن التعليمات والشروحات لخدم اليوم التالي. لم يكن أحد يستطيع أن يصنّف أو يفرز كلّ خاصيّات التيبيكون وتعقيداته كما كان يفعل الأب نثنائيل.

     ومع أنّ الضوء في قلايته كان مشتعلاً أكثر الليل، كان الجميع يعرفون أنّهم لم يتخلّصوا كليًّا من مراقبة الأب نثنائيل لهم، إذ كان عليك أن تتوقع ظهوره في أي مكان خلال الليل ليتأكد أنّ ما من أحد يتجوّل في تلك السّاعة – فالتجوال في الدّير كان ممنوعًا أثناء الليل.

 
 

أحد المبتدئين يذكر هذه الحادثة: ”في أحد الأيام كان عيد شفيع أحد الإخوة، فبقينا في قلاّيته إلى وقت متأخر وإذ كنّا عائدين إلى قلالينا رأينا على بعد خطوات منّا الأب نثنائيل يتحرّك تحت جنح الليل. تجمّدنا من الخوف. ولكن أدركنا بعد قليل أنّه لم يرنا هذه المرة، فكان يتصرّف ببعض الغرابة. بالكاد كان يستطيع تحريك قدميه حتّى إنّه تمايل قليلاً منحنيًا من ثقل كيسه. بعد ذلك رأيناه يتسلّق السياج المنخفض لإحدى الحدائق ويستلقي على الثلج مباشرة!.

     ”لقد مات!“ هكذا كلّنا خطر ببالنا.

     ٱنتظرنا قليلاً وقد انحبست أنفاسنا، ثم ٱقتربنا منه بكثير من الحذر. كان الأب نثنائيل في غفوة على الثلج، بكل بساطة. كان يتنفّس بشكل منتظم مع شخير خفيف. وكان قد وضع كيسه تحت رأسه وعانقه بكلتا ذراعيه.

     قررنا ألا ننطلق من المكان قبل أن نرى ماذا سيحدث له. ٱختبأنا من ضوء المصباح في ظل الكنيسة الصغيرة وٱنتظرنا. مرّت ساعة، وإذا بنا نرى الأب نثنائيل ينتصب بسرعة ونشاط ويزيل الثلج عن ثيابه ثم يلقي كيسه على كتفه وينطلق كأن شيئاً لم يكن!.

     لم نفهم ماذا حصل في حينه ولكن بعد حين قال لنا متقدّمون في الدّير أن الأب نثنائيل كان يريد فقط أن يريح بدنه لبعض الوقت: أن ينام مرتاحًا، معناه أن ينام مستلقيًا لأنّه لم يكن يتمدّد على السّرير في قلايته، بل يجلس على كرسيّه. ولكي لا يرفّه نفسه، كان يفضّل أن ينام على الثلج!“.

 
 

     والحقّ يقال أنّ كلّ ما يتعلّق بقلاية أمين صندوق بيشوري كان خاضعًا للتكهنات. لم يكن الأب نثنائيل يسمح لأحد أن يدخل عالمه الخاص... ولا قلايته*. حتّى رئيس الدّير، الأب جبرائيل، الّذي يملك السّلطة المطلقة على الحياة في الدير. وكان من غير الجائز مثلاً أن يكون هناك مكان في الدير لا يفتقده الأب جبرائيل، لاسيما أنّ قلاية الأب نثنائيل كانت تقع في الطابق الأوّل في الجناح الّذي يُقيم فيه الأب الرّئيس. لم يرتح الأب جبرائيل لهذا الوضع، لذلك في يوم من الأيام بعد أن تناول الرّهبان وجبة العيد، أعلن الأب الرّئيس أنّه يريد أن يشرب كوبًا من الشاي في قلاية الأب نثانائيل.

     هذه كانت للإخوة الحاضرين مفاجأة ولحظة تاريخية! كان لا بد أن يحدث ما ليس في الحسبان، وشغُف الإخوة في معاينة ماذا سيحدث. عَبَر الأب جبرائيل بحزم وجدّ حديقة الدّير متجهًا إلى قلاية الأب نثنائيل. كان هذا الأخير يسير خلف الرّئيس محاولاً بحزن شديد إقناعه بالعدول عن رأيه. توسّل إليه أن يختار مكانًا آخر فيه ما ينفع النّفوس مقارنة بقلايّته العديمة الأهميّة. أخذ يصف له بشكل مفصّل كم هي غير مرتّبة، وأنّه لِسِتٍ وعشرين سنة لم يرتبها ولا حتّى نظفها وأنّ الهواء فيها عفن بشكل لا يُحتمل... أخيرًا، وفي حالة من اليأس، تحوّل حديث الأب نثنائيل إلى شيء من التهديد. كان يفكّر بصوت عالٍ أنّه لا يجوز تحت أي ظرف أن تتعرّض حياة الأب الرّئيس إلى الخطر بسبب ركام الحجارة المتساقطة الّتي لم يتم إصلاحها والموجودة في قلاية أمين صندوق الدير!.

     في النّهاية توقف الأب الرّئيس أمام قلاية الأب نثنائيل وقال له بٱنزعاج: ”هذا يكفي أيّها الأب نثنائيل! إفتح وأرني ماذا عندك في الدّاخل!“. ورغم الغضب الواضح في نبرة صوته، كان الرّئيس راغبًا عن فضولٍ حقيقيّ أن يعرف ماذا في قلاية الأب نثنائيل.

     أخيرًا قَبِل الأب نثنائيل ما فُرض عليه كأمرٍ واقع. وبكثير من الرّضى والفرح تلا الجملة الرّهبانية التالية: ”بارك أيّها الأب الرّئيس!“ وتناول مفاتيحه وفتح هذا الباب الثمين الّذي بقي موصدًا لأربعة عقودٍ لا يُفتح إلا على قياس حجم الأب نثنائيل الهزيل.

     من خلال الباب المفتوح على مصراعيه لم تكن تستطيع رؤية أي شيء لأنّ الغرفة كان غارقةً في ظلام دامس، فالسّتائر كانت مغلقة ليلاً ونهارًا. دخل الأب نثنائيل أوّلاً وٱختفى في الظلام... لم يكن هناك أي صوت في الداخل. تبعه الأب الرّئيس بكثير من الحذر. وإذا عبر عتبة الباب قال ببعض التذمّر: ”لماذا كل هذه العتمة؟ ألا يوجد كهرباء هنا؟ كيف أُضيئها؟“. ”إلى يمينك أيّها الأب الرّئيس!“ أجاب الأب نثنائيل بصوت مرتجف: ”فقط شدّ المفتاح إلى فوق“.

     في اللحظة التالية سُمعت صرخة الأب جبرائيل. وبقوة خفية خرج من قلاية الأب نثنائيل وٱستقرّ في رواق الدير. ركض الأب نثنائيل وراء الرّئيس الغاضب بعد أن خرج من قلايته وأقفلها بإحكام. كان يتحسّر قائلاً: ”يا للحظ السّيء، يا رب أشفق! هذا المفتاح... يجب أن يعتاد المرء عليه. لقد احترق عام 1961، يوم سقط ”خروشيف“! علامة من الله! لم أبدّل المفتاح منذ ذلك الحين. ولم يُصلحه أي عامل كهرباء... بل أنا بنفسي أصلحته: هناك شريطان معلّقان بالحائط، إذا جمعتهما تستضيء الغرفة وإن فصلتهما تنطفئ الكهرباء! ولكن ليس بسرعة!... لذلك أيّها الأب الرّئيس، تستطيع الآن العودة على الرّحب والسّعة، سوف أفتح لك الباب وتدخل أنت بسلام! أصبحت الآن تعرف كيف تضاء الغرفة. وأنّ فيها أشياء أخرى ذات أهمية!“.

     ولكن ما كان الأب نثنائيل أن ٱنتهى من سرده حتّى كان الأب الرّئيس قد توارى وصار أثرًا بعد عين.

     رغم كلّ ذلك، كان الأب نثنائيل مثالاً للطاعة، وقد نظم قصائد على شرف الأب الرّئيس ودير كهوف بسكوف. وكتب عددًا من المواعظ المفيدة.

 

     تعاطيه مع الرّهبان والعالم الخارجي

     اتسع نطاق فظاظة الأب نثنائيل لتشمل مسؤولي الحزب الشيوعي، خاصة عندما كانوا يتدخلون بشكل غير لائق في حياة الدير. ويُقال إنّ الأب نثنائيل هو الّذي نصح الأرشمندريت أليبي، أي رئيس الدّير السّابق، بشأن كيفية التّصرّف المناسب بإذاء ضغط السّلطات ووقاحتها.

     عام 1960، كان كلّ مواطني الإتحاد السّوفياتي ملزمين بالمشاركة في الانتخابات. لذلك أُحضر صندوق للإقتراع إلى داخل الدّير ووُضع في غرفة الطعام حيث صوّت الرّهبان بعد وجبة طعامهم بملاحظة رئيس الدير: ”مقدّمين لقيصر ما لقيصر“.

 
 

     وإذ عَلِم السكرتير الأوّل في اللجنة المحليّة للحزب الشيوعي في بسكوف أنّ هؤلاء الرّهبان الجُهّال قد أُعطوا الإمتياز أن ينتخبوا في الدّير وليس في مكتب الإقتراع، أبدى استياءه تجاه هذه الطبقة الغير العاملة، وبالتالي غير المُنتِجة الّتي كانت تتلقى هذه المعاملة المميزة. لذلك أصدر أمرًا سريعًا أنّه من الآن فصاعدًا على كلّ المُرْتَدين ثوبًا أسود، أن يأتوا بأنفسهم ليقترعوا لدولة الإتحاد السّوفيتي العظمى في مكتب الإقتراع مثلهم مثل كلّ الشعب السّوفيتي، وذلك بحسب مكان إقامتهم!. فلمّا بُلّغ الرّهبان القرار في الدّير، همس الأب نثنائيل في أذن الأب الرّئيس بفكرته الكثيرة الدهاء ناصحًا إيّاه بالموافقة. كان يوم الإنتخابات يوم أَحَد. فبعد الخدمة اللّيتورجية، خرج الرّهبان من بوابة الدير في موكبٍ مهيب، إثنين إثنين. كانوا يسيرون في خطٍ طويل، منشدين الطروباريات وحاملين الرّيات والصّلبان والأيقونة القديمة الدينية كما في تقليد الكنيسة. ولم يكن هذا كلّ شيء. لأنّه قبل إتمام أي عمل مهم، كان الإكليروس يُقيم طلبة ٱستشفاعية. وهذا بالضبط ما قام به هذا الموكب المَهيب لدى وصوله إلى مكتب التّصويت. حاول الإداريون المذعورون الإحتجاج ولكنّ الأب ”أليبي“ أوقفهم بصرامة، آمرهم ألا يعرقلوا المواطنين الّذين يُتَمّمون واجبهم الدّستوريّ كما يُمْليه القانون. وبعد أن أدلى الرّهبان بأصواتهم، عادوا إلى الدّير بالطريقة الّتي خرجوا بها منه.

     لا داعي للقول أنّ صندوق الإقتراع في الإنتخابات اللاّحقة كان في غرفة الطعام باكرًا جدًا صباحًا منتظرًا تصويت الرّهبان!

     إلى ذلك، كان الأب نثنائيل يراقب الرهبان عن كثب أثناء الإنتخابات محاولاً منع أي ردة فعل سلبية تجاه الحكومة، وخاصة أي مخالفة أو تمرّد. كان يبدو للرّهبان أنّ ذلك جُبْنٌ أمام السّلطات، ولكنّهم علموا في ما بعد أنّ الأب نثنائيل التقى أكثر من مرة باستفزازيين وعملاء في ثياب رهبان أُرسلوا إلى الدير لإحداث شغب. كان يمنع العقلانية عند الرهبان المبتدئين، لا فقط لحماية الدير، بل لحمايتهم من أي غرور طائش أو اضطراب شبابي موحًى به من كبريائهم. لم يكن الأب نثنائيل تهمّه الكلمات حتّى البطوليّة منها ولا الإشاعات المتناقلة لأنّه كان يعرف كلّ ما يتعلّق بالحكم الشيوعي وكلّ ما هو حاصل في البلاد.

     كان لدى الأب نثنائيل علاقة جديّة جدًا ومباشرة مع السّلطات السّوفياتيّة: فلقد قتلوا والده الأب الكاهن ”نيقولاي بوسبيلوف“ عام 1937 لأجل إيمانه. خدم الأب نثنائيل في الجيش أثناء الحرب العالميّة الثانية، وبعد ذلك أصبح مبتدئًا في دير كهوف بسكوف أيام رئاسة ”الأرشمندريت أليبي“ وٱبنًا روحيًا للشيخ القديس والصّانع العجائب، ”الأب سمعان“ اللاّبس الإسكيم الكبير. ولقد رأى هذان الإثنان في المبتدئ الجديد رجلاً صادقًا يملك عقلاً حيويًا، لذلك سلّماه أمانة الصّندوق وأمانة سرّ الدير، خلال السنوات الّتي شهدت فيها الكنيسة أشدّ الاضطهادات زمن حكم ”خروشيف“. وكان الأب نثنائيل مطّلعًا على أدق التفاصيل والأسرار الّتي تتعلّق بالدّير.

 
 
 

     يذكر أحد الرّهبان هذه الحادثة: ”ذات مرّة، ليلة صيف عام 1983، كان عمل طاعتي أن أحرس المنطقة حول كنيسة الرّقاد. كنتَ بالكاد ترى لمعان النّجوم في السّماء. كلّ شيء كان ساكنًا، هادئًا. ودقّت السّاعة ثلاثًا في البرج... فجأةً أحسست بأحدهم قد أتى من ورائي. ٱستدرت، خائفًا، وإذا بي أرى الأب نثنائيل. وقف بجانبي متأمّلاً السّماء وسألني متفكّرًا: ”يا جورجي، ما هو برأيك المبدأ الأساسي للشيوعيّة؟“ لم يكن الأب نثنائيل ينتظر جواباً مني، فٱستكمل حديثه قائلاً: ”المبدأ الأساس للشيوعية هو: ”مِن كلّ واحد بحسب قدرته، إلى كلّ واحد بحسب حاجته“، ولكن من هو الّذي يحدد "القدرة" و"الحاجة"؟!... جمعية معيّنة بالطبع... على الأغلب "الترويكا"**. فمثلاً يتصلّون بي ويقولون: "حسنًا يا نثنائيل، ما هي قدراتك؟ أتستطيع أن تنشر عشرين مترًا مربّعًا من الخشب يوميًا! وما هي حاجاتك؟ صحن من شوربة البازيلا!"... هذا كلّ شيء – هذا هو المبدأ الأساسي...“.

     كان الأب نثنائيل يشدّد بحرص على أنّه مجرّد مدير أكاديميّ واختصاصي بالتيبيكون، ولكن الكلّ كان يشكّ وبخاصة المبتدئون، أنّ لديه الكثير من المواهب الرّوحيّة الّتي كان يخفيها بدقة، كما كان يفعل كلّ الرّهبان الحقيقيين في الدير. لم يكن الأب نثنائيل الأب المعرّف في الدير، فلم يكن يُعرِّف سوى بعض روّاد الدّير القدامى الآتين من القرى المجاورة. لم يكن ليستقبل أحدًا كأبٍ روحي مشيرًا إلى عجزه في هذا المضمار.

 
 

     لكنه ذات يوم كشف عن مكنونات روحه وذلك لبرهة قصيرة ثم عاد بسرعة واختبأ خلف صرامته وفظاظته المعهودتين. يروي أحد المبتدئين هذه الحادثة الّتي جرت له مع الأب نثنائيل: ”كنت قد أخفقت في عمل طاعتي. فلقد بدا أنّي أقوم بعملي بدون مبالاة. فأعطاني الرّئيس أن أجرف الثلج المتساقط في ساحة كنيسة الرّقاد لمدة ثلاثة أيام على التوالي. تألّمت كثيرًا لما جرى. والثلج كان يتساقط معظم الوقت، لذلك بحلول اليوم الثالث كنت متعبًا للغاية وبالجهد أحرّك قدماي. كنت متحسّرًا على نفسي وغاضبًا من العالم بأسره، لدرجة أنّي كنت أخطط بجدية للإنتقام. ولكن ماذا يستطيع راهب مبتدئ القيام به ضد رئيسه؟... على كلّ حال، أخذت أحلم بالسّيناريو التالي وأنا أجرف الثلج مُنهكًا: عندما يمرّ الرّئيس بقربي قُبَيل وجبة نصف النّهار، أغلب الظن أنّه سيسألني بلهجة شديدة: ”حسنًا يا جورجي كيف حالك؟“ سوف أجيبه بفرح وكأنّ لا همّ عندي وهذه الأيام الثلاثة لم تمرّ عليّ: ”على أفضل ما يكون ، أيّها الأب رئيس! بصلواتك المقدسة!“... عندها سيفهم أنّه لا يستطيع كسر عزيمتي بسهولة!.

      وتَلَظَظَتْ فكرة الإنتقام هذه في قلبي، حتّى إنّني في وسط تساقط متصاعد للثلوج، بدأت معنواتي تتحسّن بشكل ملحوظ. وعندما مرّ بقربي الأب نثنائيل إبتسمت له وذهبت لآخذ بركته. وهو بدوره ابتسم لي بمحبّة ورسم إشارة الصّليب عليّ. ٱنحنيت لأقبّل يده، فسمعت صوته الخشن يقول لي: ”هكذا إذن، تقول: على أفضل حال، أيّها الأب الرّئيس! بصلواتك المقدسة!؟“. تجمّدْتُ في انحناءتي... وعندما عزمت على النّظر إلى الشيخ، كان ينظر إلي باستياء واضح. ولكنّه عندما لاحظ علامات الهَلَع ترتسم على وجهي، قال لي بلطف فائق: ”انتبه يا جورجي، لم يكن للضغينة يومًا أي تأثير حسن على أي كان!“. ثم رمى كيس ملايين الرّوبلات، أو ربما الخبز المُجَفّف على ظهره وارتحل من أمامي متجهًا إلى جناح الرّهبان. لقد تركني مذهولاً مستغربًا، مراقبًا وطأة قدميه على الثلج. ربّما كان بخيلاً! لكنّه قديس!“.

     قال أحد رؤساء الكهنة الآتي من سانت بيترسبورغ: ”إنّ سنة واحدة في دير كهوف بسكوف كخمسين سنة في أكاديمية لاهوتية... ولكن كيف يستوعب المرء كلّ هذه الدّروس دُفعةً واحدة؟ إنّه لأمر آخر!.“

 

     بخله

 
 

     كان الأب نثنائيل بخيلاً دون أي شيك، لأنّه إلى جانب ٱنزعاجه عند صرف أي مبلغ من المال، كان يركض ويقفذ ليطفئ أي ضوء لا حاجة إليه، وكان يقتصد بالمياه والغاز وكلّ شيء آخر يستطيع ٱدخاره والاستزادة من استعماله.

     كان شديد الحرص على القوانين والقواعد الرّهبانية المُتّبعة في الدّير منذ قرون. مثال ذلك أنّه لم يكن يتحمّل أن يذهب الإخوة في عطلة. رغم أنّ الكلّ كان يحصل على إذن بذلك في حال المرض، إلا أنّ الأب نثنائيل لم يكن يقبل ترك الإخوة للدّير حتّى لو لفترة وجيزة بداعي المرض. هو نفسه لم يأخذ فُرصة طيلة خمسين سنة قضاها في الدير. كذلك الأمر بالنّسبة لرئيس الدّير الأب ”جبرائيل“ الّذي كان يعمل باستمرار وكان يعبس بوجه كلّ من يأتي إليه طالبًا إذنًا بإجازة.

     ذات مرّة أعطى الرّئيس أحد الرّهبان الكهنة إذنًا بإجازة صيفيّة. أخذ الرّاهب البركة ولكن كان عليه أن يأخذ من أمين الصّندوق المال للسّفر. قرع الرّاهب على باب قلاية الأب نثنائيل مطوّلاً ولكن دون جدوى. هذا الأخير كان عالمًا ما هو الدّاعي لهذه الزيارة، لذلك اختبأ في قلايته ولم يفتح الباب. فقرّر الرّاهب الكاهن أن يأخذ الأب نثنائيل بالحيلة فجلس على مسافة من قلاية أمين الصّندوق وٱنتظر... ٱنتظر حوالي الأربع ساعات، بعدها فتح الأب نثنائيل بابه بحذر ونظر حوله ثم ٱنطلق إلى ساحة الدّير، هناك واجهه الرّاهب وسلّمه الإذن الموقّع من رئيس الدير ليعطيه المال الضروري للسفر. عندما رأى الأب نثنائيل الورقة، ٱرتجف ثم رمى بنفسه على الأرض ورفع يديه ورجليه في الهواء وصرخ بكلّ قواه: ”ساعدوني، إنّي أتعرّض للسرقة!!! يقولون أعطهم مالاً! يريدون أن يذهبوا في عطلة! لقد تعبوا من الدّير! لقد سئموا من والدة الإله! سرّاقون! أنجدوني!!!“.

     جلس الرّاهب الكاهن على المقعد بهلعٍ، أمّا السّواح المدهوشون الّذين كانوا في السّاحة فوقفوا مشدوقين للمشهد المستغرب. وإذ بالرّاهب يُمسك برأسه بين يديه وينطلق بسرعة إلى قلايته. كان رئيس الدير على شرفة قلايته، أثناء كلّ ذلك، يراقب المشهد بكثير من الانشراح. للحين أدرك الأب نثنائيل أنّ الخطر قد زال، فوقف بهدوء كامل ونفض الغبار عن ثيابه وذهب ليكمل شؤونه.

 

     جولاته مع الزّوار

 
 

     كان يفرح المبتدئون بمساعدتهم للأب نثنائيل أثناء جولاته مع الزّوار حول الدّير، إذ إنّه كان يُكلَّف بأهمّ الشخصيّات. ولقد كان له الفضل بتعريف الرّئيس ”يلتسين“ وأبرز رجالات الدّولة، على دير كهوف كييف بسكوف. حرص الأب نثنائيل على تقليد معلّمه الأرشمندريت ”أليبي“ الّذي حافظ على الدير والإيمان بالله في أصعب فترة من الحكم الشيوعي، أيام اضطهاد ”خروتشيف“ للمسيحيين، وقد صلّى الرّئيس الموقّر ”أليبي“ لتلميذه الأب نثنائيل لتكون له موهبة الحكمة والكلمة الصّارمة ولكن اللازمة في بعض الأحيان.

     في سنوات الحكم الشيوعي، كان يأتي العمّال الشيوعيّون متوقّعين أن يروا أناسًا جهالاً محبين للمال ورجعيين غير إنسانيين؛ والّذي لم يكن متوقّعًا، هو أن يلتقوا رهبانًا استثنائيين، مثيرين للإهتمام متعلّمين وأذكياء، شديدي البأس يتمتّعون بحريّة داخليّة لا مثيل لها، يعرفون أشياء لم يكن الزوّار في وارد معرفتها. وبعد دقائق قليلة من الزّيارة، يتضح لهم أنّهم لم يلتقوا في حياتهم أشخاصًا مثل هؤلاء الرّهبان.

     عام 1986، أحضر قوّاد الحزب في بسكوف وزير مصلحة السكك الحديديّة إلى الدير. استبان أنّه إنسان رصين يُحْسِن التّصرف: لم يسأل أسئلة غبيّة مثل أين تسكن زوجات الرّهبان! أو عن جولة ”جاجارين“ (Gagarin) الفضائية ولماذا لم يرَ الله!. ولكنّه في النّهاية وبعد ساعتين من جولته مع الأب نثنائيل، سأله هذا الموظف الرّسمي الّذي تعجّب من اللقاء: ”لقد انذهلتُ كثيرًا بحديثنا! لم أتعرّف في حياتي على شخصٍ مثير للإهتمام وغير اعتيادي نظيرك! ولكن اسمح لي أن أسألك – كيف أنّ شخصًا يتمتّع بذهنٍ نيّر كالّذي لَكَ، يستطيع أن يؤمن... حسنًا، أنت نفسك تعرف بماذا؟! لأنّ العلم قد كشف لنا أفاقًا وأفاقًا جديدة عن الإنسان والإنسانية، لا وجود لله فيها! وجود الله، سامحني إذا قلت لَكَ، بكلّ بساطة غير ضروريّ! في هذه السّنة يقترب المُذَنَّب ”جاليليو“ من الأرض من أقصاء الكون. أتستطيع أن تتصوّر أنّ العلماء قد حسبوا بدقة مساره بالكامل! وسرعته! واتجاهه! سامحني، ولكن فكرة الله لا حاجة لها في كلّ هذا!“.

     حرّك الأب نثنائيل لحيته مفكّرًا: ”تقول مُذَنَّب؟ ”جاليليو“؟ وبقولك أنّهم قد حسبوا كلّ ما يتعلّق بهذا المُذَنّب فهذا يعني أنّ لا حاجة للرّب الإله؟ حسنًا، نعم، فهمت!... إذًا، تصوّر أنّني أجلس على قمّة الجبل قرب سكة الحديد ومعي ورقة وقلم... فإنّي في غضون أسبوع، أستطيع أن أقول لك بالتّحديد متى وفي أي ٱتجاه يسافر القطار. ولكن هل هذا يعني أنّه لا يوجد من يقود القطار، ومن يراقبه ولا من مهندسين؟! ... ولا حتّى وزراء لمصلحة سكلة الحديد؟! في الحقيقة، هذا لا يعني ذاك، أليس كذلك؟ ففي كلّ شيء نحن بحاجة لمن يقود!“.

     مهما يكن، لم تنتهِ كلّ أحاديث الأب نثنائيل بهذا الشكل السّلامي. ذات يوم أتت مجموعة زوّار إلى الدّير وقد عرفنا أنّهم أولاد أعضاء اللّجنة المركزية للحزب الشيوعيّ. واستبان أنّ هذه المجموعة قليلة التهذيب. كانوا يقهقهون في معظم الأحيان مشيرين إلى الرّهبان، ويطرحون أسخف الأسئلة. ولكن لم يكن الأب نثنائيل يستطيع عمل أي شيء فأخذهم في جولة حول الدّير.

     بدأت الجولة في المغاوِر، وفي أوّلها قلاية صغيرة لها نافذة. في هذه القلاية جاهد بالنّسك الرّاهب الكاهن ”لعازر“ في أوّل القرن التاسع عشر ودفن فيها. كانت تتدلى على قبره سلسلته وصليبه الثقيلان.

     باشر الأب نثنائيل جولته بالإشارة إلى هذه القلاية قائلاً: ”هنا في هذه القلاية ولعشرين عامًا متتالية جاهد الكاهن الرّاهب ”لعازر“ بالنسك والإمساك... سوف أصف لكم الآن جهاداته المذهلة“.

     وإذ بأحد المراهقين يستفسر بصوت عالٍ قائلاً: ”وأين كان يذهب إلى الحمام؟“. على الأثر ٱنفجرت المجموعة ضحكًا.

     ٱنتظر الأب نثنائيل بصبر حتّى تهدأ أصوات المزاح، ثم دون أي ٱنزعاج قال: ”أين ذهب إلى الحمام؟ حسنًا، سوف أريكم الآن!“.

     وٱنطلق مع المجموعة المتحيّرة خارج الكهوف وعبر الدّير كلّه إلى أن وصل إلى مكانٍ بعيدٍ عن الأنظار. وفي جناحٍ هناك كان يوجد مرحاضٌ قديم. رتّب الأب نثنائيل المجموعة في شكلٍ نصف دائري كما يقفّون عادة أمام قطعة متحفيّة مهمة وبحركة مسرحية بيده أشار ناحية المرحاض وقال بشكلٍ رسميّ: ”هنا كان الرّاهب الكاهن ”لعازر“ يذهب إلى الحمام! والآن قفوا هنا وانظروا!“.

     ثم ٱستدار وغادر المكان، تاركًا المجموعة المذهولة لوحدها.

     عندما ٱسترجع قُوّاد المجموعة أنفسهم، أخذوا يفتّشون عن رئيس الدير وعبّروا له عن ٱستيائهم لما حصل، فأجابهم رئيس الدير: ”لقد بَلّغني الأب نثنائيل عن اهتماماتكم في ما يخص الدّير. وهذا بالضبط الّذي عرضه لكم. لا نستطيع مساعدتكم بأي شيء آخر!“.

     يجب أن نأخذ بعين الإعتبار أنّ هذه كانت السّنة 1984 ولم تكن الأمور بهذه البساطة في تلك الآونة. كان يمكن أن ينتج عن ذلك مشاكل جمّة، ولكنّ رؤساء دير كهوف بسكوف كانوا رجالاً شجعانًا.

 
 

 

     رقاده

     رقد الأب نثنائيل ”البخيل“ بهدوء وبساطة غير إعتياديين. عندما عرض الأطباء أن يضعوا له بطّاريّة لضبط دقّات قلبه، توسّل إلى رئيس الدير ألا يسمح بذلك قائلاً: ”تصوّر أيّها الأب، أنّ روحي تريد الارتحال إلى ربّها، وبوضع آلة كهربائية صغيرة ستعيد روحي إلى جسدي! دع روحي ترحل في أوانها!“.

     قبل رقاد الأب نثنائيل عبّر كلّ من التقاه أنّه كان يشعّ بلطف وبمحبّة فائقَين. وعوض أن يدخّر قواه القليلة المتبقّية لديه كان هذا الإقتصادي الكَنسي الكبير الّذي يُقَنّن في أبسط الأمور، يبذل نفسه للزائر الّذي أرسله الله إليه لبضعة دقائق فقط. بالحقيقة هذا ما كان يفعله طيلة حياته – إلا أنّه في ذلك الحين لم يكن أحد يفهم تصرُّفه.

* جرت العادة في بعض الأديار أن يستقبل الرّهبان رهبانًا آخرين أو حتّى زوارًا وحجّاجًا في قلاليهم.

** الترويكا هي مجموعة من ثلاثة رجالات من الحزب الشّيوعي يصدرون حكمًا على متهم، عادة الحكم بالإعدام، دون أي محاكمة أو هيئة محلّفين.

 

المراجع:

 

Pravoslavie.ru (2010), Mean Old Fr Nathanael, by Archimandrite Tikhon (Shevkunov), http://www.pravoslavie.ru/english/39147.htm

** منقول من :  http://www.holytrinityfamily.org  

** للرجوع الى المقال الأصلي : http://www.holytrinityfamily.org/Monastic%20Life/father%20Nathanael.html