القديسون الأرثوذكسيون | Orthdox Saints
الأب خرالمبوس الذي من دير ديونيسيو الآثوسي
‏( -2001 )‏

 

       عائلته

  ولد الأب خرالمبوس من والدين تقيين هم ليونيداس (Leonidas) ودسبينا (Despina). ليونيداس هو

أخ الشيخ أرسانيوس) رفيق الشيخ يوسف الهدوئي في الجهاد ( والراهبة إفبراكسيا التي تتلمذت على يد الأب الروحي المشهور إيرونيموس (Ieronimos) الهدوئي. أصل الأب خرالمبوس من البنطس. في فترة الإضطهاد العثماني للمسيحيين هناك، هرب الكثير من الروم الأرثوذكس الناطقين باليونانية والذين منهم أجداد الأب خرالمبوس، إلى روسيا. عاش هؤلاء هناك مزارعين في منطقة كاترنتار (Katerintar) جنوبي البلاد.

       كانت لدى ليونيدس الرغبة بأن يكون راهباً لكن هذه لم تكن مشيئة الرب. فإنه عندما قرر والداه تزويجه وانتقيا له الفتاة المناسبة. قبل أن يتم اللقاء، رأى ليونيدس نفسه في الحلم في بيت لم يسبق له أن دخله من قبل وفتاة تقدم له المقبلات على طبق. في هذه اللحظة سمع صوتاً قوياً في داخله يقول له:"هذه التي تقدم لك الطبق سوف تكون زوجتك". بقي ليونيدس متحيّراً إلى أن دخل بيت الشابة، عندها عاد إلى ذهنه الحلم، وعليه تم الزواج. وقد عمل ليونيدس في تجارة التنبك.

       عناية الله بهذه العائلة المباركة تظهر في هذه الحادثة: أراد، مرّة، ليونيدس أن يزور أخته الراهبة أفبراكسيا. وكانت السفينة التي سوف تقلّه إلى البنطس (حيث ترهبت أخته في دير لوالدة الإله) تنطلق باكراً جداً. في العادة، كان ليونيدس يستفيق قبل ساعتين من الموعد المحدد للسفر. لكنه في تلك الليلة استغرق في نوم عميق ولم يستفق إلا بعد ساعتين من موعد إقلاع السفينة. حزن وقرر انتظار السفينة التالية. لكنه أدرك، بعد قليل، أن إستغراقه في النوم لم يكن صدفة بل بتدبير من الله إذ إن السفينة التي كانت ستقلّه غرقت ولم يَنجُ أحد من الركاب أي حولي الـ1500 شخص.

       كان ليونيدس كريماً جداً يتصدّق حتى من عوزه للمحتاج والفقير. وكان إيمانه راسخاً بتعويض الله. رزق عشر أولاد، عاش منهم خمسة وهم ديميتريوس الذي رقد عن عمر الثلاثين بمرض خطير، وأغاثي ثم خرالمبوس وأخيراً التوأم كوزما ودميانوس.

       بقيت عائلة خرالمبوس في روسيا حتى اندلاع الثورة البولشفية، عندها انتقلوا إلى ناحية زراعية بالقرب من دراما في شمال اليونان اسمها أركاديكون (Arkadikon).

 

 

       طفولته

 
 

       ولد خرالمبوس، وهو اسمه في المعمودية، عام ،1910 في روسيا. عمّه أثناسيوس (لاحقاً الأب أرسانيوس) كان راغباً في الحياة الملائكية. لكن التقليد في البنطس أملى عليه تعميد طفل قبل رحيله كي لا يضع له الرب الإله حجراً في حضنه في الحياة الأخرى. فقبل أن يولد خرالمبوس، طلب أثناسيوس من أخيه أن يعمِّد الطفل الذي سيولد وتمّ له ذلك. أمضى خرالمبوس طفولته في روسيا وانتقل مع العائلة إلى أركاديكون عندما كان في الثانية عشرة من عمره. كان تلميذاً متفوقاً في المدرسة إلا أن الحاجة وطاعته لوالديه أرغماه على ترك المدرسة في الصفوف الثانوية. فإن أسعار التنبك هبطت لدرجة هددت ليونيدس بالإفلاس، لذلك قام خرالمبوس بدعم والده من خلال العمل في الزراعة وأعمال يدوية مختلفة.

       نحو الحياة الروحية

       كان طبع خرالمبوس اجتماعياً،  يحب الناس لكنه شديد الرصانة وقور، محب للحق. عندما كان في الثانية والعشرين من عمره استدرجته امرأة متزوجة إلى بيتها تحدوها شهوة شيطانية حياله. لكن عندما أدرك خرالمبوس ما في نيّتها وبّخها بكلام قاسٍ وعاد مسرعاً إلى منزله.

       كانت لخرالمبوس معرفة دينية إكتسبها منذ نعومة أظافره إلا أنه لم يكن يدرك قيمة الحياة الروحية. فضلاً عن ذلك كان يشترك في شتى أنواع الألعاب الرياضية من لعبة كرة القدم إلى الرقص التقليدي والغناء والمسرح، وكان متفوقاً فيها. كان يلبّي كل الدعوات إلى الحفلات، لكن الغريب أنه كلّما حضر حفل زواج كان يبكي. في وقت لاحق قال في ذلك: "إنه من المُبكي أن يدرك المرء أن الرهبنة هي الجنة ويختار أن يرتبط بزواج".

       لم يطل الأمر بخرالمبوس حتى أدرك أهمية الحياة الروحية وابتدأ ينسحب قليلاً قليلاً من الحياة الإجتماعية.

       في ذلك الوقت كانت الكنيسة تتخبط بين تيارين: تيّار الروزنامة القديمة وتيّار الروزنامة الجديدة. كانت عائلة خرالمبوس من الفئة الأولى ولم يلبث أن أصبح خرالمبوس أحد المناضلين البارزين في هذه المجموعة التي كانت تضم الكثير من المسيحيين الأصيلين البسطاء الذين اعتقدوا أنهم على حق وناضلوا واضطُهدوا.

       التقى خرالمبوس إنساناً تقيّاً، أعذب، في منتصف عمره اسمه الياس، شكّل نقطة التحول لخرالمبوس الذي رأى بإلياس فضيلة مميزة ونظرة نادرة للجهاد، دفعا بخرالمبوس للإنسحاب من العالم ومباشرة برنامج نسكي صارم: كان يعمل في النهار ويسهر في الليل مصلياً (يقوم بسهرانة في الليل – Vigil). في الصوم كان يأكل الطعام الجاف فقط، مرة واحدة في النهار، الساعة التاسعة بحسب التوقيت البيزنطي. لم يعد يأكل اللحم البتة وسهرانته كانت تدوم بضع ساعات.

       التهب قلب خرالمبوس بالحب الإلهي وأخذ يفكر بالخروج من العالم. غير أن قضية المناضلة من أجل الروزنامة القديمة جعلته يتردد. وضع له إلياس الخيار أو يذهب ليترهب أو أن يكون كاهناً متزوجاً يخدم في العالم. بقي خرالمبوس متردداً بضع سنوات إلى أن اندلعت الحرب العالمية الثانية. وقتها، أُخذ أسيراً لدى الثوّار البلغار، عندما كان مختبئاً مع إخوته وآخرين في دير الأب الروحي المشهور القدّيس جورج كارسليدس قرب دراما. في الأسر كانوا يتلقّون الضرب والتنكيل كل يوم دون طعام أو شراب إلى أن صدر فيهم حكم الموت. هذا دفع بخرالمبوس إلى الصلاة بحرارة للقدّيس جاورجيوس وبدموع قائلاً:"يا قدّيس الله العظيم في الشهداء، أنقذنا! أعدك بأني سأكرّس حياتي لله". وما إن أتمّ صلاته حتى سمع صوت حوافر حصان. رآه يعدو في الهواء فوقهم لكنه لم يرَ راكبه. كان متأكداً أنه القدّيس جاورجيوس وأنه سوف ينقذهم. لم يسمع أو يرَ أحد في المجموعة شيئاً. أخذ خرالمبوس يطمئنهم، إلا أنهم كانوا يائسين. عندها رأوا في رؤية سريعة مثل البرق رجلاً قوي البنية يفتح أبواب السجن ويطلق سراحهم. وهكذا كان، فُتحت أبواب السجن من قبل الحرّاس الذين أعلنوا أن الملكة ولدت الوريث للعرش وعليه صدر عفوٌ لكل الأسرى. فأسرعوا خارجاً عائدين إلى بيوتهم رغم الجوع والتعب.

       في الوقت عينه الذي كانوا فيه مأسورين بقي ليونيدوس راكعاً مصلياً باكياً صائماً إلى أن دخل عليه أولاده. أعلم خرالمبوس أباه بنذره فبارك عليه. بقي خرالمبوس وفياً لنذره منتظراً في البيت الوالدي إلى أن انتهت الحرب وتراجعت الجيوش الأجنبية. ولكن، في هذه الفترة توفي ليونيدوس. وإذ كان على سرير الموت طلب من خرالمبوس أن يعيل العائلة ويكون حاميها إلى أن يتعلّم أخواه الصغيران، عندها يتمم وعده لله. شعر خرالمبوس، وكذلك إلياس، بأن هذه الوصية هي من الله، فأتمّها ولكن بقي في داخله تصميم نبذ العالم فزاد من جهاداته وأصوامه وصلواته.

 

 

       إلى الجبل المقدّس

 

       أخيراً تخرّج أخوا الأب خرالمبوس، كوزما عمل كمدرّس وداميانوس موظفاً في الدولة. أصبح خرالمبوس حراً لتحقيق حلمه. إلا أنه من جديد استوقفه النزاع القائم بشأن الروزنامة وكونه كان من المناضلين الأوائل لم يسمح له الغيّورون، أي أصحاب الروزنامة القديمة، أن ينسحب، إلى أن أصدرت هذه المجموعة بياناً جاء فيه أن الذبيحة التي تقام في الكنائس الأخرى هي خالية من النعمة. حزن خرالمبوس كثيراً إذ إنه كان معتدلاً بطبعه لا يحبّذ التطرف* والتعصب، ومؤمناً بأنّهم يعبرّون عن إعتراضهم بانفصالهم عن الكنيسة الأم إلا أنهم ما زالوا تابعين لها ويستمدون البركة منها. شعر خرالمبوس بعدم جدوى بقائه في العالم.

 

       وفي 7 من شهر تموز 1950، ودّع خرالمبوس أقرباءه واتّجه إلى اسقيط القدّيسة حنة في الجبل المقدس، حيث كان عمّه وعرّابه الشيخ أرسانيوس. كان عزم في قلبه على أن يذهب بعدها إلى أيينا ليرى ويودع عمته الراهبة إفبراكسيا قبل أن يعود ويستقرّ نهائياً في الجبل المقدس بالقرب من عمّه كراهب.

   وصل خرالمبوس إلى إسقيط القديسة حنة حيث كانت أخوية الشيخ يوسف الهدوئي ورفيقه في الجهاد الشيخ أرسانيوس. ابتدأ الشيخ يوسف يتفحصه فطلب منه أن يقوم بـ3000 سجدة مع عمّه إلا أن عمّه، رغم سنه، سبق الشاب خرالمبوس. حذّر الشيخ يوسف الطالب الجديد قائلاً له أنه لن يستطيع أن يصمد معهم لأن الحياة هنا صعبة جداً والنظام قاسٍ. فأجابه الشاب المتحمّس:"سأحاول ولكن عليّ قبل ذلك أن أذهب لأودع عمتي." فقال له الشيخ يوسف إنه حرٌّ لأن يذهب حيث يشاء ولكنه إن فعل ذلك، فعند عودته سيجد أبواب هذا المنسك مغلقة دونه. أصرّ خرالمبوس لأن هذا هو مخطّطه. فأردف الشيخ يوسف:"مخطّط؟ راهب ومخطّاطات! أين وجدت هكذا رهبنة فيها مشيئة شخصية ومخطّطات؟". ذلك أن الشيخ يوسف أدرك مزايا الراغب الجديد. وبعد أخذ ورد، رضخ خرالمبوس لإرادة الشيخ.

 

 

       خرالمبوس راهباً

 
 

       بدون تلكؤ أو تعب تأقلم خرالمبوس مع برنامج الأخوية: في النهار طاعة وصمت وعمل وعند المساء، سهرانة صلاة وقوفاً لمدة ثمانية ساعات مع عدة جولات من السجدات (المطانيّات)، مما ألهب سريعاً قلبه بالحب الإلهي. أما الشيخ يوسف، فلمعرفته بحميّة الشاب وحمايته من شيطان الغرور كان يهينه دائماً. لم يكن يناديه باسمه بل يقول له:"أنت تعال". قلة الإحترام هذه كانت تزعج خرالمبوس. وعرف الشيخ بالروح هذا فقال له:"إنك تزعم أنك كنت تجاهد في العالم، صلوات وسهراً وصوماً، ناسكاً حقيقياً، عاملاً شاقاً مستقيماً ذكياً. وماذا جنيت من كل هذا؟ الكثير من المجد الباطل والكبرياء والقناعات الخاصة. والآن وقد توقف الإطراء، لم تعد الأمور جيدة". ما لبث خرالمبوس أن أدرك صحة أقوال شيخه. لم يكن ليسمح له بأي مداخلة خلال الأحاديث بين الشركة. ولم تعد للإهانات التي كان يوجهها له الشيخ أي تأثير عنده بل، على العكس، كلّما كان يهان كلّما كان يتقدم روحياً أكثر. وعندما لم تعد تنفع إهانته المباشرة، ابتدأ الشيخ بأسلوب جديد وهو إهانة أقربائه وحتى والده المتوفي. فكان الأب خرالمبوس يُقنع نفسه أن شيخه أدرى بما يقول وليس لديه الحق بأن يدين شيخه.

       لاحقاً قال الشيخ أرسانيوس، عم الأب خرالمبوس، إن الشيخ يوسف كان يقول له أن الكثيرين كانوا يأتون، ولكن عند أدنى ملاحظة كانوا يفرّون وأما خرالمبوس فيستطيع أن يتحمّل الكثير.

       ذات مرّة شعر الأب خرالمبوس باشتياق كبير لوالدته. ولكي يقوى على هذا الشعور الذي حرّكه الشيطان فيه، جثا على ركبتيه باكياً متوسلاً والدة الإله أن تطفىء هذه الشعلة وتستبدلها بالمحبة لها إذ هي الآن أمه والمحامية عنه. وما إن صلّى من كل قلبه حتى اجتاحته محبة عارمة لوالدة الإله أزالت عنه التجربة. مراراً كثيراً توسلت إليه أمه في رسائلها أن تراه وكان يرفض، إلى أن رقد شيخه، عندها قَبِل أن يراها شرط أن تصير راهبة وهكذا كان، لأن دسبينا كانت تعيش عيشة رهبان في بيتها لذلك كان الثوب يناسبها، فألبسها إياه الأب خرالمبوس معطياً لها إسم الراهبة مرتا، وهذه كانت آخر مرة يراها.

      مرة أخرى طلب منه الشيخ يوسف أن يصعد إلى مغارة على قمة الجبل مؤكداً له أنها الجنة هناك. فأخذ البركة وصعد. كانت المغارة مظلمة وموحشة. انتاب الراهب الشاب شعور بالخوف ولكنه فضّل الموت على أن يعصى أباه، وعليه ابتدأ بقانون صلاته ولم يطل عليه الأمر حتى شعر بارتياح عميق وصار يصلّي بقوة أكثر فامتلأ قلبه من نار المحبة الإلهية وانهمرت دموعه كالشلال واختبر لأول مرة الثايوريا.

 
 

       في العام 1951، ونظراً لتقدم الراهب خرالمبوس الروحي، ألبسه الشيخ الإسكيم الكبير وقدّمه إلى رتبة الكهنوت لأجل حاجات الشركة. عليه كانت الشركة تقيم القداس الإلهي كل يوم من بعد سهراناتهم الخاصة (كلاً في قلايته) لمدة ست ساعات. من بعد القدّاس كان أفراد الشركة يرتاحون لساعتين أو ساعتين ونصف، ثم بعد أخذ البركة من الشيخ يوسف ينطلق كلُّ واحد إلى عمل طاعته.

       كان على الأب خرالمبوس (وكل الأخوية) أن يحفظ الطاعة بدقة والسهر المستمر والكشف الكامل لكل أفكاره وتلاوة صلاة يسوع باستمرار. وفي أثناء السهرانة كانوا يأخذون قضيباً حتى إذا ما أتاهم فكر إدانة أو كبرياء أو تهاون يقطع عليهم صلاتهم، يستعملون القضيب لضرب أنفسهم. هذا كانوا يقومون به بقوة مقرّعين أنفسهم. الألم الذي يسببونه لأنفسهم كان يولّد لديهم شعوراً بالتوبة ونخس القلب وعندها تجري الصلاة بسهولة باعثة فرحاً سماوياً لا يوصف. يقول الأب خرالمبوس أنّ لوم الذات هو السلاح الأساسي لإقتناء الصلاة. على المرء أن يغضب على نفسه لكونه العدو الأول. فعندما يقبل المرء أن يُهان ويُقرّع وحتى أن يتلقى الضربات ويستمر في محبة الآخر ولوم نفسه فالرب الإله يزرع في قلبه فرحاً وسلاماً ليسا من هذا العالم فيحس بأنه أسعد إنسان في الكون وهذا ما حصل مع الأب خرالمبوس، مرّات خاصة عندما كان يقرّعه الشيخ يوسف.

 

       وفي أحيان أخرى كان لمجرّد طاعته يتلقى العون من الله وملائكته في الأعمال التي يقوم بها. ذات مرة كان الأب خرالمبوس يعاني وجعاً في أسنانه فبقي يؤجّل الشيخُ ذهابَه إلى الطبيب رغم الوجع الإستشهادي الذي كان يعاني منه. أخيراً أعطاه البركة شرط أن يذهب في الصباح ويعود عند المساء بوسيلة النقل ذاتها. أخذ الأب خرالمبوس البركة وانطلق إلى كارييس ولدى وصوله إلى طبيب الأسنان وجد الكثير من المرضى ينتظرون. فقال للطبيب:"أرجوك إقلع ضرسي" فأجاب:"ولكن هذا ليس بهذه السهولة". ففسّر له الأب خرالمبوس أن عليه العودة بالقارب المتجه إلى القدّيسة حنة. فأقتلع له الطبيب الضرس. وبسرعة انطلق الأب خرالمبوس إلى دافني فوجد القارب أقلع لتوه. وبالطاعة، لكي لا يتأخر، أخذ يسير بأسرع ما فيه إلى أن وصل إلى موضع القدّيسة حنة الصغيرة. وكان ابتدأ الظلام يلقي بظله على المنسك. قرع باب قلاية شيخه فلم يجبه الشيخ بادىء الأمر، أخيراً  قال له لو كنت الأب خرالمبوس لكان يقوم بقانونه الأن، فأخذ الأب خرالمبوس يبكي ويفسّر ما حصل له. بقي على هذه الحال وقتاً قليلاً. ثم فتح له الشيخ وأخذه بين ذراعيه وقبّله قائلاً:"هكذا تكون الطاعة الحقانية، تشجّع فالرب الإله سيكافئك بسخاء". في سياق هذه الحادثة يروي شيخٌ أنه عندما كان ما زال طالباً في عهدة الأب أفرام (الإبن الروحي للشيخ يوسف وأخ الأب خرالمبوس) ذهب إلى كارييس بسبب وجع في أسنانه. فسأله الطبيب من أي أخوية هو. فأجابه. فقال له الطبيب:"هذا حسن، إنك في عهدة جيدة...أترى هذا الضرس؟ إني أحتفظ به كذخيرة. لأنه ذات مرة بعث جدك الروحي الأب يوسف أحد إخوته إلى هنا وكان فاه متورماً بالكليّة فرفضت أن أقلع له الضرس قبل إزالة الورم. فقال لي الأخ:" لا أبالي بوجع، فلدي أمر من شيخي أن أقلعه وأعود في اليوم عينه." فأصررت كطبيب لأنه سيسبب له الكثير من الألم. لكنه بقي ثابتاً. فقلعت له الضرس بصعوبة وآلمته كثيراً. كان مصاباً بالدوار ومتألماً لكنه ضرب لي مطانية وعاد إلى مرفأ دفني.

 

 

       في العام 1959 رقد الشيخ يوسف وكانت الأخوية قد انتقلت إلى الإسقيط الجديد التابع لدير القدّيس بولس. آخر وصية أعطاها للأب خارلمبوس كانت:"إقصِ عنك الإهتمامات". هذه العبارة رددها على مسامعه ثلاث مرات. كانت الأخوية عندها تعتاش من صنع أختام لخبز التقدمة (Prosphora). هنا نذكر أن إخوته كانوا يلقبونه بـ"صاحب اليدين الذهبيتين"، إذ أنه كان قادراً على أن يقوم بكل الأعمال التي تطلب منه بنجاح.

 

 

 

       الشيخ خرالمبوس أب روحي

       ذات مرّة ترك بعض الرهبان دير الديونيسيو بعد سوء تفاهم. إلا أنهم عرّجوا على الأب خرالمبوس لسماعهم بسيرته. فماذا فعل الأب خرالمبوس؟...أنبّهم بشدة وأعادهم تائبين إلى دير الديونيسيو. فعندما درى بما جرى الأب جبرائيل رئيس الدير، ذهب إلى الإسقيط الجديد ليشكر الأب خرالمبوس ويطلب منه أن يكون الأب الروحي للدير. ورغم إصرار رئيس الدير رفض الأب خرالمبوس القيام بالمهمة، إلى أن استعار الأب جبرائيل بطرشيلاً بحجة القيام بصلاة على رأس الأب خرالمبوس وقال:"بهذا البطرشيل آمرك بالطاعة أن تكون الأب الروحي لديرنا". ومن دون مناقشة قال الأب خرالمبوس:"ليكن مبارك، أيها الأب، لتكن مشيئة الرب الإله".

 
 

       من ذلك الحين إلى العام 1967 عندما انتقلت الشركة إلى قلالي البورازيري التابعة لدير الخيلانداري، استمرّ الشيخ خرالمبوس في إرشاد رهبان دير الديونيسيو. كذلك، عام 1965، طلب دير الكزينوفونتوس منه أن يصير الأب الروحي للدير. ولدى إصرار الآباء في الدير رضخ للطلب. ابتدأت شهرة الشيخ خرالمبوس تزداد في كل الجبل وتدفق الناس عليه، علمانيين ورهباناً، للإرشاد والإعتراف. ورغم صرامته كانت لديه موهبة قبول الإعترافات. ولكل شخص كان يأتيه كان يعطيه من نفسه. في كثير من الأحيان كان يأخذ على عاتقه إتمام واجبات الأخرين من سجدات وصلوات. كذلك كانت لديه موهبة كشف الأفكار ومكنونات القلوب. وكان يزود كلاً من زائريه بجعبة من الأدوية الروحية والحلول لمشاكله ومتاعبه: أصوام، صلوات، مناولة، إعتراف، الذهاب إلى الكنيسة...

       عام 1979، وبعد إلحاح أولاده الروحيين، انتقل الشيخ خرالمبوس مع أخويته إلى دير الديونيسيو واستلم رئاسة الدير. كان، إلى حينه، في منطقة البورازيري مع شركته. هنا نذكر أن الشيخ خرالمبوس كان يصلّي لساعات طويلة قبل قبوله أي عضو جديد في شركته وكان الرب الإله يعطيه الإشارة إذا ما كان يقبله أم لا. والبورازيري مكان هادىء حاول فيه الأب خرالمبوس أن "يقصي عنه الإهتمامات" بقدر استطاعته والإنصراف إلى الصلاة فكانت له خبرات كثيرة ووصل إلى مراقٍ عالية في الصلاة القلبية.

       لدى وصوله إلى دير الديونيسيو رتّب لبعض الرهبان برنامجاً "هدوئياً" وأدخل المناولة المتواترة رغم بعض الإحتجاجات بادىء الأمر.

 

       استلم الأب خرالمبوس رئاسة الدير من العام 1979 حتى العام 1987. اضطر خلال رئاسته لتقليص ساعات الراحة بسبب واجباته الإدارية الكثيرة وكذلك إرشاد الوافدين من رهبان وعلمانيين بالإضافة إلى صلاته الخاصة والقدّاس الإلهي الذي كان يقوم به كل يوم في كنيسة صغيرة في الدير على الطريقة الهدوئية التي اعتادها مع شيخه. إلا أن هذا البرنامج سبّب له إرهاقاً كبيراً إلى أن أصيب بنوبة قلبية. نصحه الأطباء بالتخفيف من نشاطاته مما أعاد إلى ذهنه قول أبيه: "يا خرالمبوس إقصِ عنك الإهتمامات". ورغم إعتراض الكثيرين من أبنائه الروحيين، قدم الأب خرالمبوس استقالته من رئاسة الدير وعاد إلى برنامجه القديم فاستعاد صحته بسرعة. وبقي الشيخ خرالمبوس الأب الروحي للرهبان في الدير وشوهدت الكثير من العجائب بصلواته: شفاء من سرطان، شفاء من عقر...

 

       كان الشيخ خرالمبوس يقيم القدّاس الإلهي يومياً، إلى حين إصابته بنوبته القلبية. عندها سأل الشيخ بوفيريوس عن الموضوع فأجابه:"كنت تقوم بالخدمة الإلهية كل يوم في حياتك، الأن دع الأخرين يقومون بها".

 
 

       في هذه المرحلة من حياته، واجه الشيخ آخر امتحان له، لأنه أصبح الأن تحت الطاعة من جديد. وفي شركة مؤلفة من 50 راهباً لا بد أن يكون البعض متضايقين. فكان إذا قرّعه أحد لفحص فضيلته وطول أناته يقول: "بارك" فقط ويقوم له بمطانية. وصل التواضع به إلى أن تطوّع بأن يكون بواباً للدير لبعض الوقت ولم يكتفِ بذلك بل وكنسّ الحدائق من الداخل والخارج أثناء نوبته.

       حتى أخر يوم من حياته بقي يشارك بالمائدة المشتركة في الدير ويأكل كل ما يقدّم له بدون إعتراض وطلب شيء خاص بسبب سنّه. نذكر هنا أنه إلى أن بلغ السبعين وقبل أن يترك البورازيري كان الأب خرالمبوس ينقطع عن الطعام كل يوم إثنين وأربعاء وجمعة وكان يعمل بجد في النهار ويقوم بالسهرانة في الليل.

       وكان يخرج إلى خارج الدير إلى دير منوكسيليتيس (Monoxilitis) التابع لدير ديونيسيو حيث كان يرشد ويعزّي النفوس هناك.

 

 

       رقاد الشيخ

 
 

       في كانون الأول 2000، بلغ الشيخ التسعينات من عمره. كان يتبع النظام الشركوي للدير (صلوات، موائد، كنيسة، سهرانات...)، ولكن من جديد عانى نكسة صحية قوية. فنُقِل إلى تسالونيكيا حيث عولج وعاد إلى الدير بعد الميلاد بقليل. إلا أن صحته تراجعت بسرعة فأعيد إلى المستشفى إلى تسالونيكيا، ولكن هذه المرة كان الشيخ عارفاً أنها النهاية فطلب أن يبقى في الدير لكي لا يموت هناك دون جدوى. وقبل مغادرته ودّع كل الرهبان في الدير من الرئيس إلى المبتدئين. رافقه راهبان. هناك في المستشفى كان أخواه وأبناؤهما يرافقوه باستمرار وقد قال لأحد أخويه:"ساعدني فإني في عجلة، سأسافر. عندنا خدمة إلهية". فأجابه أخوه:"إلى أين أنت مسافر؟". فقال:"إلى فوق".

       وفي رأس السنة من عام 2001، بدا الشيخ خرالمبوس كأنه استعاد صحته. أكل وتحدّث مع القادمين بكل وعي. فشعر الجميع أن الأزمة قد انتهت. في الليلة عينها كان هناك راهب من أبنائه الروحيين** في المستشفى وروى التالي:
"في ليلة الأول من كانون الأول رأيت الشيخ راقداً في سريره بسلام، كان انتباهه مسمراً في مكان ما ومستغرقاً في التأمل. فجأة، دون علمي بما قد رأى، قفز من سريره بفرح وفتح ذراعيه كمن يريد أن يحضن أحداً. في هذه اللحظة بالذات، وبصرخة فرح، انتقلت روحه إلى المراقي السماوية".

       هذا التعبير الفرح بقي بعد رقاده. حاول الأطباء إنعاشه لكن عبثاً. نقلت الجثة إلى كنيسة القدّيس نكتاريوس في تسالونيكيا حيث أخذ بركته عدد كبير من المؤمنين من أولاده الروحيين وغيرهم. هذه كانت فرصة للنساء اللواتي لا يستطعن الذهاب إلى الجبل.

       وفي الثالث من شهر كانون الأول، ووري الثرى في مقبرة الدير بين أولاده الروحيين". ها أنذا والأولاد الذين أعطانيهم الله".

       هذا هو الراهب الذي بدأ في إسقيط القدّيسة حنة الصغيرة وتتلمذ على يد الشيخ الكبير الأب يوسف الهدوئي في الطاعة والتواضع والمحبة والصلاة القلبية.

              فليكن ذكره مؤبداً.

 

* يقول الأب خرالمبوس أن معظم الشعب اليوناني عندها كان تابعاً للروزنامة القديمة. ولو اكتفى الأولياء على هذه المجموعة بتسجيل مواقف بتحفظ كان لا بد للكنيسة الأم عندها أن تعود لتتبع الروزنامة القديمة. إلا أن التعصّب والأنانيات وكذلك الطموح الذي غلب في القائمين على الكنيسة ذات الروزنامة القديمة حال دون ذلك.

** هذا الراهب كان أولهم في الإسقيط الجديد، وقد أسلمه الشيخ رئاسة الإسقيط كخلفه قبل إنتقاله عام 1967 إلى البورازيري.

 

 

 

 

** منقول من :  http://www.holytrinityfamily.org  

** للرجوع الى المقال الأصلي : http://www.holytrinityfamily.org/Monastic%20Life/father_Haralambos.html