القديسون الأرثوذكسيون | Orthdox Saints
القديسون الآباء الذين اشتركوا في المجمع المسكوني السادس ‏‎ ‎‏(680 – 681)‏
14 أيلول شرقي (27 أيلول غربي)‏

التأم هذا المجمع في القاعة السرية المدعوة تروللو في القصر الملكي في مدينة القسطنطينية في 7 تشرين الثاني سنة 680م، أيام الإمبراطور البيزنطي قسطنطين الرابع المعروف باللحياني، واختتم، بعد ثماني عشرة جلسة، في 16 أيلول سنة 681. اهتم المجمع بدحض البدعة القائلة بأن للمسيح مشيئة واحدة وعملاً واحداً. وقد وقّع على محاضر الجلسات الأخيرة للمجمع مئة وأربعة وسبعون أباً، كما تمثلت الكراسي الخمسة كلها. من أبرز الذين حضروا البطريرك جاورجيوس القسطنطيني، وثلاثة نواب عن البابا أغاثوس، وممثل عن بطريرك الإسكندرية، وآخر عن بطريرك أورشليم. كما اشترك فيه ثلاثة أساقفة غربيون كانوا، آنذاك، عابرين بالقسطنطينية. وقد أدان المجمع بالقطع كل الذين نادوا ببدعة المشيئة الواحدة والفعل الواحد وكتبوا فيها وعلموا. ومن أبرز هؤلاء بطاركة القسطنطينية السابقون سرجيوس وبيروس وبولس وبطرس، وهونوريوس، بابا رومية، وكيروس، بطريرك الإسكندرية، ومكاريوس، بطريرك أنطاكية. أما الآباء المعترفون الذين يعود إليهم الفضل الأكبر في تحديد التعليم القويم بشأن المشيئتين والفعلين فمن أبرزهم القديس صفرونيوس الدمشقي، بطريرك أورشليم (+638) والقديس مكسيموس المعترف (+662).

وقد حدد المجمع في جلسته الثامنة عشرة تعليم الكنيسة الأرثوذكسية على النحو التالي:

".. نصرح أن في المسيح مشيئتين طبيعيتين وفعلين طبيعيين بلا انقسام أو تحول أو انفصال أو اختلاط حسب تعليم الآباء القديسين. وهاتان المشيئتان الطبيعيتان لا تعارض أحداهما الأخرى (لا سمح الله) كما يزعم بإصرار المبتدعون الجاحدون. فمشيئة البشرية تخضع بدون مقاومة أو تلكؤ للمشيئة الإلهية الكلية القدرة. إذ كان يجب أن يتحرك الجسد ويعمل ولكن بخضوع للمشيئة الإلهية كما قال أثناسيوس الجزيل الحكمة. وكما أن جسده دعي جسد الله الكلمة، هكذا مشيئة جسده الطبيعية تدعى مشيئة الله الكلمة كما قال هو نفسه: "قد أتيت من السماء لا لأفعل مشيئتي بل مشيئة الآب الذي أرسلني". فهنا يسمي مشيئة جسده مشيئته الخاصة بما أن الجسد جسده أيضاً. لأنه كما أن جسده المقدس الطاهر الحي لم يفن لأنه قد تأله، بل بقي كما هو في طبيعته الخاصة، هكذا مشيئته البشرية، وإن تكن قد تألهت لم تلغ بل بالأحرى قد حفظت كما قال غريغوريوس اللاهوتي: "إن مشيئة المخلص ليست معاكسة لمشيئة الله بل قد تألهت بكليتها".

وأننا نمجد فعلين طبيعيين في ربنا يسوع المسيح إلهنا الحقيقي نفسه، فعلين غير منقسمين وغير متحدين وغير مختلطين وغير منفصلين، نعني بذلك فعلاً إلهياً وفعلاً بشرياً حسب قول الواعظ الإلهي لاون الذي يؤكد بكل صراحة هكذا: "إن كل طبيعة تعمل بالشركة مع الأخرى ما يختص بها أي أن الكلمة يعمل ما يختص بالكلمة والجسد يعمل ما يختص بالجسد". لأننا لا نسلم بعمل طبيعي واحد في الله وفي المخلوق، كما أننا لا نرفع إلى الجوهر الإلهي ما قد خلق ولا نحط من قدر مجد الطبيعة الإلهية إلى درجة معادلة للمخلوق.

أننا نعترف بصدور العجائب والآلام من الشخص الواحد نفسه، ولكننا نعترف بها إما لهذه الطبيعة أو للطبيعة الأخرى اللتين هو كائن بهما كما يقول كيرللس قولاً مقبولاً. وهكذا إذ نحفظ عدم الاختلاط وعدم الانقسام نقدم باختصار هذا الاعتراف كله مؤمنين بأن ربنا يسوع المسيح هو أحد أقانيم الثالوث الأقدس وهو بعد التجسد أيضاً إلهنا الحقيقي. ونقول أن طبيعتيه ظهرا بجلاء في أقنومه الواحد الذي به أتم العجائب واحتمل الآلام في كل مدة تجسده التدبيري، وإن ذلك لم يكن حسب الظاهر فقط بل بالفعل والحقيقة وذلك بسبب اختلاف الطبيعتين الواجب الاعتراف به في الأقنوم نفسه، لأنه وأن اجتمعت الطبيعتان معاً، فكل طبيعة منهما تشاء وتعمل ما يختص بها وذلك بدون انقسام وبدون اختلاط أو امتزاج. ولذلك نعترف بمشيئتين وفعلين متوافقين على أحسن نظام لخلاص الجنس البشري"...

ومن المهم أن نوضح في هذا الإعلان أن المشيئتين والقوتين في المسيح تدعيان طبيعتين ولا تدعيان أقنوميتين أو جوهريتين، لأننا إذا دعوناهما هكذا اضطررنا أن ننسب للثالوث القدوس ثلاث مشيئات وثلاث قوى. وليس للثالوث القدوس إلا مشيئة واحدة وفعل واحد لأنه ليس له غير طبيعة واحدة هي الطبيعة الإلهية. أما المسيح فله مشيئتان وفعلان لأنه ذو طبيعتين إلهية وإنسانية.

ومن المفيد أن نذكر أن بدعة الفعل الواحد في المسيح قد جرى إعلانها عام 624م برعاية الإمبراطور البيزنطي هرقل الذي توخى الوصول إلى صيغة عقيدية تكون مقبولة لدى أصحاب الطبيعة والطبيعتين معاً. ولا يخفى أن هم الإمبراطور الأول كان سياسياً لأن الخلافات العقيدية أدت إلى تفكك سياسي خطير في الإمبراطورية في الوقت الذي أخذ الضغط الفارسي يتزايد على الإمبراطورية، متبوعاً بالضغط الإسلامي العربي. إلا أن الصيغة المطروحة وإن حظيت بموافقة بعض الأطراف، لكنها أثارت مزيداً من الجدل والبلبلة حتى أن الإمبراطور هرقل أصدر في العام 638م مرسوماً منع فيه البحث في موضوع الفعل والفعلين في المسيح. فقط بأن للمسيح مشيئة واحدة. ومع أن الإمبراطور وضع كل ثقله في الميزان إلا أنه لم يتمكن من وضع حد للخلافات القائمة. وقد ظلت الأمور على هذه الحال إلى أن جرى حسمها في المجمع المسكوني السادس (680 -681م) الذي تحتفل الكنيسة اليوم بذكرى الآباء الذي اشتركوا فيه.